محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
19
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وسيأتي شيء من كلام المؤلف ، رحمه اللّه ، في هذا المعنى ، والتنبيه عليه ، واللّه ولي التوفيق . تنوّعت أجناس الأعمال لتنوّع واردات الأحوال . واردات الأحوال ، هي : ما يرد على القلوب من المعارف الربّانية والأسرار الروحية ، وهي توجب لها أحوالا حميدة ؛ فمنها وارد يوجب هيبة ، ومنها وارد يوجب أنسا ، ومنها وارد يوجب قبضا ، ومنها وارد يوجب بسطا ، إلى غير ذلك من مختلفات الأحوال . ولمّا كانت هذه الواردات متنوعة كانت أجناس الأعمال التي تقتضيها هذه الواردات أيضا متنوعة ، والأعمال الظاهرة أبدا تبع لأحوال القلوب الباطنة ، كما سيقول المؤلف بعد هذا ، في قوله : « حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال » . الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها . إخلاص كل عبد في أعماله على حسب رتبته ومقامه ؛ فأمّا من كان منهم من الأبرار فمنتهى درجة إخلاصه أن تكون أعماله سالمة من الرياء الجليّ والخفيّ وقصد موافقة أهواء النفس طلبا لما وعد اللّه تعالى به المخلصين من جزيل الثواب ، وحسن المآب ، وهربا عما أوعد به المخلطين من أليم العذاب وسوء الحساب ، وهذا من التحقق بمعنى قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي : لا نعبد إلّا إياك ولا نشرك في عبادتنا غيرك . وحاصل أمره إخراج الخلق عن نظره في أعمال برّه ، مع بقاء رؤيته لنفسه في النسبة إليها ، والاعتماد عليها ، وأمّا من كان منهم من المقرّبين فقد جاوز هذا إلى عدم رؤيته لنفسه في عمله ، فإخلاصه إنما هو في شهود انفراد الحق تعالى بتحريكه وتسكينه من غير أن يرى لنفسه في ذلك حولا ولا قوة ، ويعبّر عن هذا المقام بالصدق الذي يصح به مقام الإخلاص ، وصاحب هذا مسلوك به سبيل التوحيد واليقين ، وهو من التحقق بمعنى قوله تعالى : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . أي : لا نستعين إلّا بك لا بأنفسنا وحولنا وقوّتنا ، فعمل الأول هو العمل للّه تعالى ، وعمل الثاني هو العمل باللّه ؛ فالعمل للّه يوجب المثوبة ، والعمل باللّه يوجب القربة ، والعمل للّه يوجب تحقيق العبادة ، والعمل باللّه يوجب تصحيح الإرادة ، والعمل للّه نعت كلّ عابد ، والعمل باللّه نعت كلّ قاصد ، والعمل للّه قيام بأحكام الظواهر ، والعمل باللّه قيام بالضمائر . وهذه العبارات للإمام أبي القاسم القشيري « 1 » رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري ( 376 - 465 ه - 986 - -